مجزرة بيت حانون

مجزرة بيت حانون- فلسطين
2006
الزمان: تمام الخامسة والربع من صباح يوم الأربعاء الماضي.المكان: شارع حمد بحي الزيتون التابع لبلدة بيت حانون.الهدف: أكثر من ستة منازل لمواطنين فلسطينين من عائلات 'العثامين.. أبو عودة.. الكفارنة..أبو جراد'.الحدث: مذبحة مروعة راح ضحيتها نحو 35 شهيدا، وعدد كبير من الجرحي، ولم لا وقد استمر القصف المدفعي المركز علي المنازل المستهدفة لعدة دقائق؟!اطلقت خلالها الدبابات الصهيونية نحو 11 قذيفة، استهدفت ­ جميعها ­ المنازل بشكل مباشر.. الشهداء والمصابون كانوا آمنين في بيوتهم.. في المساء تأكدت السيدات أن الأبناء استعدوا ­ صباحا ­ للذهاب للمدارس.. لكن الموت تعجل.. دخل من الحوائط والنوافذ مع القذائف الصهيونية إلي غرف النوم.. تهدمت البيوت فوق رءوس أهلها.. اختلطت أشلاء الشهداء بالحجارة وأثاث المنازل.. لونت الأتربة الجثث.. الشهداء أطفال في سن البراءة.. عجائز .. شباب ورجال.. تحول الشارع أمام المنازل المستهدفة الي بركة من الدماء.. الجثث مقطعة، التصق بعضها بالجدران الناجون من المذبحة قالوا: كنا نائمين، استيقظنا علي سقوط القذائف القريبة.. ومع دوي الانفجار الأول اعتقدنا أنها مجرد عملية محدودة من تلك التي نتعرض لها يوميا، لكن تواصل الانفجارات نبهنا الي أن هناك حدثا دمويا كبيرا.. كان الزجاج يتطاير.. القذائف قتلت الأمهات.. الشقيقات.. استشهد الإخوة والآباء.. سارعنا بالخروج من المنازل.. شاهدنا سيقانا ورءوسا وأيادي مبعثرة وأشخاصا يخرجون من منازلهم وقد غطتهم الدماء.. سارعنا بنقل المصابين والجثث إلي مستشفيات شمال غزة، ومجمع الشفاء.. بكينا بحرقة علي اسرة واحدة استشهد منها سبعة اشقاء.. لقد كان الشهداء متعاونين، محبين للخير، تحول منزلهم إلي كومة من الأنقاض.مشهد آخر مهيب، خرجت فيه الجماهير الغفيرة لتشيع الشهداء..آلاف المواطنين توافدوا للمشاركة في المراسم.. اختلطت مشاعر الحزن والغضب، مع مطالب الوحدة والتكاتف الوطني.. انطلق الموكب الجنائزي من مستشفي 'مجمع الشفاء الطبي' بمدينة غزة.. مر بشوارع المدينة الرئيسية.. أدان المشيعون الصمت الدولي علي جرائم الاحتلال.. جددوا حسرتهم علي تواضع المواقف العربية ­ الرسمية ­ رفضت الجماهير بيانات الشجب والإدانة.بدوره كان الكيان الصهيوني يتابع ما يحدث، شعر قادته ببراكين الغضب التي أوشكت علي الانفجار.. سارع الصهاينة لامتصاص ردود الفعل الغاضبة من جراء المجزرة.. راح وزير الحرب الصهيوني 'عمير بيرتس' يعلن أن ..المجزرة لم تكن مقصودة وأنها نتجت عن انحراف بسبب خلل في وسائل التوجيه التي تقوم بتقدير مكان سقوط القذائف'!!والسؤال: إذا كانت مجزرة 'بيت حانون' وقعت بسبب خلل في أجهزة توجيه القذائف.. فتري ما هي الأسباب التي يبرر بها الكيان الصهيوني المجازر اليومية التي تشهدها الأراضي المحتلة؟الحقيقة أن كل الطرق كانت تدفع بإسرائيل إلي ارتكاب مجزرة بيت حانون!بحسابات السياسة.. بعوامل القوة.. بالظروف النفسية السيئة التي يعيشها قادة الكيان الصهيوني، منذ انتهاء حربهم البربرية في الجنوب اللبناني، كل الأبواب كانت مفتوحة علي مصاريعها، أمام لغة التحريض الداخلية في الشارع الصهيوني المتطرف بطبعه، والذي ازداد تطرفا لعوامل أو لنقل هزائم متتالية مني بها علي كل الأصعدة وهو يتابع تدهور طموحاته الاستعمارية تباعا.

ظلت الحكومة الصهيونية راغبة في تحقيق أي إنجاز عسكري، عله يعوض خسائرها الداخلية والخارجية وحتي تحافظ علي مكانتها في الكنيست، التي تأثرت بضم 'إسرائيل بيتنا' الحزب الأكثر تطرفا في اسرائيل برئاسة الصهيوني المتشدد افيجدور ليبرمان، وهو الحزب الذي استخدمه اولمرت كطوق نجاة عقب حصوله علي تأييد 7 % فقط من الجمهور الصهيوني في أول استطلاع نشر بعد العدوان علي لبنان.وكشف الإعلام الصهيوني عن حالة التطرف المتصاعدة داخل اسرائيل، عبر تركيزه علي حملة متواصلة للتخويف من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي اعتبرتها صحيفة 'هآرتس' مجرد 'ورم خبيث يجب اجتثاثه'!وبينما السفاحون الصهاينة يفكرون بهذا المنطق وينفذون مخططات الاجتياح، والاغتيالات، والقصف، والنسف والتدمير، كنا ­ نحن ­ غارقين في تساؤلات متتابعة ومتسارعة، حول أهمية التحركات الإقليمية والدولية التي يمكنها انقاذ الأوضاع المتدهورة في الأراضي المحتلة، وهل تتولي حماس هذه التحركات
منفردة ­ أم بمشاركة كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، كل بحسب علاقاته الإقليمية والدولية؟ وإلي أي مدي يمكننا التعويل علي نتائج ايجابية للاجتماع المفتوح لمجلس الجامعة العربية (علي مستوي المندوبين الدائمين) أو حتي عقد قمة طارئة (علي مستوي وزراء الخارجية) لبحث التطورات الدرامية في الداخل الفلسطيني؟ وما هو مصير الوساطة التي تتم بجهود فلسطينية بين الرئيس محمود عباس (أبومازن) من ناحية، وقيادات حماس في الداخل من ناحية أخري، بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية؟لكن من قال إن قذائف العدو ،معداته العسكرية تعرف الصبر؟!.. هي لا تعرف سوي لغة واحدة.. لغة الدم مدادها، والجثث حروفها، واستيطان الأراضي صفحاتها، لا وقت لديها للتفاوض، ومد الأيدي بالسلام، لذا شرع الجيش الصهيوني قبل أيام من مذبحة بيت حانون في تنفيذ عملية 'غيوم الخريف'، وهي ليست أكثر من اسم ­ جديد ­ لحملة تدمير تقليدية/ منهجية في قطاع غزة، بدأت الحملة بناء علي تعليمات من المجلس الوزاري الأمني المصغر الذي قرر 'مواصلة الضغط العسكري ليس علي حماس فقط لكن لرغبة صهيونية في اجهاض حالة التوافق الفلسطيني التي بدأت تلوح في الأفق، كي

يغلقوا بها كل الأبواب التي قد تفضي بالفلسطينيين إلي مخرج من المأزق السياسي والاقتصادي الذي يعيشونه.. ولم ينكر السفاحون الصهاينة أن غيوم الخريف مجرد تمهيد لعملية عسكرية أكثر اتساعا'.وبوحشية نفذ 'موني كاتس قائد اللواء الشمالي في فرقة غزة' الموكل له قيادة العملية مهمته بنجاح حيث تعرضت معظم طرق وشوارع بلدة بيت حانون لعملية تدمير منهجي، وبينما تشير الإحصائيات إلي أن عدد المنازل التي تعرضت للتدمير بدرجات متفاوتة بلغ 400 منزل، فقد شهدت الأراضي الزراعية عمليات تجريف واسعة، حتي شبكات الكهرباء والتليفونات وخطوط المياه والصرف الصحي لم تسلم من التخريب، ووصل عدد المنشآت العامة والتجارية التي خربت إلي 50 منشأة بينها ثلاثة مساجد أحدها مسجد أثري تم تدميره بالكامل!ومنذ بدأ الجيش الصهيوني في تنفيذ حملة غيوم الغضب (بداية نوفمبر الجاري) خلفت العملية عشرات الشهداء والجرحي، الذين ارتفع عددهم إلي نحو 95 شهيدا، وأكثر من 350 جريحا، بينهم 55 جريحا يعانون من إصابات حرجة للغاية، علي أن المجزرة التي وقعت صباح الإربعاء الماضي في منطقة بيت حانون ارتفعت بحصيلة الشهداء الفلسطينيين بعدما راح ضحيتها أكثر من 32 شهيدا فلسطينيا، نصفهم من الاطفال، وغالبيتهم من عائلة واحدة.يكشف تباين الآراء الإقليمية والدولية التي علقت علي المجزرة دقة التوقيت الذي اختارته إسرائيل موعدا لعمليتها، حيث إن الأطراف السياسية كانت قد اقتربت من الاتفاق علي ملامح خطاب التكليف، المقرر أن يحدد فيه الرئيس محمود عباس أبو مازن الخطوط العريضة للحكومة الجديدة، ومن واقع التسريبات فإن نص الخطاب لم يكن يطالب الحكومة الجديدة بالاعتراف باسرائيل، بل هو أقرب للغة العمومية التي ترضي جميع الأطراف الداخلية.من جانبها كانت الاجواء الدولية مواتية، خاصة انشغال الإدارة الأمريكية (الجمهورية) التي أعلنت 'مجرد الأسف لما حدث' وهو أمر ارتبط في واقع الأمر بحرصها علي أصوات اللوبي اليهودي في انتخابات الكونجرس، كما لم تزد ردود الفعل الإقليمية والدولية علي اعلان الشجب والتنديد بما حدث.وفي ظل حالة التخاذل الدولي، لم يجد مطلب المجموعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومجموعة عدم الانحياز الداعي لعقد جلسة فورية لمجلس الأمن أي استجابة، حتي مع مشروع القرار الذي يطالب إسرائيل ب'الوقف الفوري لعدوانها، والانسحاب من غزة ووقف النار بين الجانبين، وارسال مراقبين دوليين للاشراف علي وقف النار، وتشكيل لجنة تحقيق في المجزرة. كما يدعو الأسرة الدولية الي خطوات فورية، واتخاذ إجراءات لبناء الثقة بين الطرفين!!!!'.تراجع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبومازن .. لم يعد ينتقد حماس.. أعلن الحداد العام، وتنكيس العلم الفلسطيني ثلاثة أيام في الاراضي الفلسطينية، واعترف صراحة بمخطط اسرائيل: 'لا تريد لنا ان نتفق، وكلما اقتربنا من الوصول الي حلول تبدأ في ارتكاب المجازر'أما تصريحات رئيس الوزراء إسماعيل هنية فقد تسببت في خلق حالة من البلبلة عندما أعلن خلال جلسة طارئة عقدتها حكومته، تعليق المفاوضات الداخلية الخاصة بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو ما جعل رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل يوضح من مقر اقامته في دمشق أن هذا الملف لم يغلق تماما، وأن تصريحات 'هنية' تعني وقف المفاوضات في ظل الظروف بالغة الحساسية التي تعيشها الأراضي المحتلة، لكن 'مشعل' بدوره أكد أن التهدئة بين حماس واسرائيل انتهت رسميا بنهاية العام الماضي، ومن ثم فإن رد الجناح العسكري للحركة (كتائب الشهيد عز الدين القسام) علي مذبحة بيت حانون مفتوح علي كل الخيارات.يقول المراقبون إن اسرائيل القت من حيث لا تدري بطوق النجاة لحركة حماس المتمسكة بثوابتها، وهي الثوابت التي ظلت اتهامات تطارد الحركة من أسرة المصالح الدولية والتي اعتبرتها اللجنة الرباعية الدولية عقبات في طريق اتمام حل نهائي يحسم الصراع العربي الإسرائيلي، كما يلقي اقدام اسرائيل علي ارتكاب مجزرة بيت حانون بالكرة في ملعب المراهنين علي منح العدو مزيدا من الاعترافات المجانية، والذين يدعمون الإبقاء علي محاصرة الشعب الفلسطيني والمحرضين علي بقاء حماس، كي تتخلي عن ثوابتها من ثم التمهيد للانقلاب عليها

ليست هناك تعليقات: